أعلم أن هذه القصيدة سوف تثير حفيظة بعض الأخوة ممن
يعتبرون أننا يجب أن نزهو بتاريخنا
ولكنني - ورغم احترامي للتاريخ - أجد أننا نزهوا بتاريخ غابر ولا نعمل لرفعة حاضرنا ولهذا
فإنني نقمت على من يتغنون بتاريخ أفل ولم يقدموا لحاضرهم فماذا سيقولون لو دفن التاريخ ؟؟
ولكنني - ورغم احترامي للتاريخ - أجد أننا نزهوا بتاريخ غابر ولا نعمل لرفعة حاضرنا ولهذا
فإنني نقمت على من يتغنون بتاريخ أفل ولم يقدموا لحاضرهم فماذا سيقولون لو دفن التاريخ ؟؟
التــــاريــخ
أحضِــروا التّـــاريخ
مسحوبـاً كناقـــة
وافقـــأوا عينــــهِ أو شُـــدّوا وثاقَــــهْ
وافقـــأوا عينــــهِ أو شُـــدّوا وثاقَــــهْ
واتركـــوا الغــربانَ
تشــدوا كلَّ لحـنٍ
واكتبـــوا نعيـــًا كمـــا ترجـو اللياقـــةْ
واكتبـــوا نعيـــًا كمـــا ترجـو اللياقـــةْ
واجمعـــوا أصحـــابَ
تــاريـخٍ صريـعٍ
أطـــعموا الديــدانَ في حفـلٍ رفـــاقـهْ
أطـــعموا الديــدانَ في حفـلٍ رفـــاقـهْ
واحفـــروا قبـــراً على
أنغـــام عـرسٍ
واشــربوا نخبــاً وأصحــابَ الصداقـةْ
واشــربوا نخبــاً وأصحــابَ الصداقـةْ
ثــمَّ القـــوا جثـــةً
التـــاريـخِ فيهـــــا
وأريـــحوا العقـــلَ من تلـكَ العلاقـــةْ
وأريـــحوا العقـــلَ من تلـكَ العلاقـــةْ
وأهيلـــوا منْ تـــرابِ
الأرضِ كـي لا
يُرجـــعِ التـــاريخُ فـي يــومٍ سِــــياقـهْ
يُرجـــعِ التـــاريخُ فـي يــومٍ سِــــياقـهْ
وأقيمـــــوا حفلـــــةً
للــــزار تـــــروي
في عقــــولِ القـــوم ألـوان الحماقــةْ
في عقــــولِ القـــوم ألـوان الحماقــةْ
شـــيِّدوا قبــراً
عظيمـــاً ليـسَ يُنــسـى
منْ جميلِ الصخــرِ أو صُفّـوا رواقـــهْ
منْ جميلِ الصخــرِ أو صُفّـوا رواقـــهْ
واجعلوا الجـــدرانَ من
مسـكٍ وطيـبٍ
وارســـموا بالتبـــرِ أمجـادِ العراقــــةْ
وارســـموا بالتبـــرِ أمجـادِ العراقــــةْ
وازرعوا الأشــجار
َوالأحواضَ مـلأى
بصـــنوفِ الـــزهـرِ منظومــاً كباقــــةْ
بصـــنوفِ الـــزهـرِ منظومــاً كباقــــةْ
واكتبـــوا هــذا الذي
قـــدْ كـان فينــــا
صالحـــاً ، قــد ماتَ لمْ يبـدأ ســباقـهْ
صالحـــاً ، قــد ماتَ لمْ يبـدأ ســباقـهْ
ثـــمَّ طوفــــوا
حوْلَــــهُ فـي كـلِّ وقـتٍ
واذبحـــوا كبشــاً إذا شــئتـمْ ونـاقــــةْ
واذبحـــوا كبشــاً إذا شــئتـمْ ونـاقــــةْ
واجعلـــوا يومـــاً لـــه
فـي كـلِّ عـــامٍ
مثـــلَ يومِ العيـــدِ كي نبكـي فراقــــهْ
مثـــلَ يومِ العيـــدِ كي نبكـي فراقــــهْ
وامضغوا الأمجـــاد عَلَّ
الطعــمَ يحكي
في ظــــلامِ النَّفسِ أسـرار العراقــــة
في ظــــلامِ النَّفسِ أسـرار العراقــــة
هــــاكـم التــــاريـخَ
مدفـــونٌ بقـبـــــرٍ
هــل لديكــم بـعدُ ما نرجـوا اعتناقــه؟
هــل لديكــم بـعدُ ما نرجـوا اعتناقــه؟
إنـــــه التـــــاريـخ ُ
يبقـى دونَ ريــبٍ
لســــوانـا باســــماً يبـدي اشـــتياقـــه
لســــوانـا باســــماً يبـدي اشـــتياقـــه
وتُرانـــا حـــــاضـر
الأيـــــام نجـــري
علَّنـــــــا نقـوى علـى مجـدٍ عنــــاقــه
قراءات للقصيدة
1-
قراءة لأخي عبد القادر ذياب
علَّنـــــــا نقـوى علـى مجـدٍ عنــــاقــه
قراءات للقصيدة
1-
قراءة لأخي عبد القادر ذياب
ياصديقي العزيز الشاعر محمد ذيب سليمان
لقد آمنت بالحرف سيّداً للمعنى ، قوّاماً على الهدف , سابراً أغوار الواقع الذي نحياه , راثياً كان أم مرشداً أم هادياً أم دليلا ..
آمنت بالحرف يسبر أغوار النفس حيناً , ومجاهل الذات أحياناً , ومفاوز الأنا , ورياض الأمل والجمال تحناناً .
لكنني وهبت الحرف أمنية الصعود بنا بآمالنا القتيلة , وأحلامنا الصرعى , وقراءاتنا الشهيدة اليتيمة ,
آمنت به حرفاً يزلزل كيان الجهل , وأسّ التخلّف , ويغيّر بعض مفاهيمنا .
آمنت به سلطاناً جائراً ينزع عنّا تلك القوالب التي " قولبونا " بها أقنعونا بها , رغم عدم القناعة .
أمنت بشاعر ينبش كتب التاريخ من أجداثها , وكتب ألف ليلة وليلة من أوكارها , وكتب الفتنة من أوارها .
ياسيدي سجل لبعض الحين معك :
سجّل .. نحن من نحن
عرب أم أعراب أم أقوام مستعربة
سجّل .. من هو مسيلمة
سجّل أننا عرب قبل البعث وبعده ..!!
نحن الذين فقأنا عيون الجهل بأقوال وأشعار لاتساوي ثمن حبرها
نحن الذين تغوّلنا على أنفسنا وذاتنا , وأمعنّا النظر طويلاً ندرس مفاتن الجمال عند الخليفة .
ودرسّنا أولادنا وأحفادنا كما درّسنا أبائنا وأجدادنا ماهي مميزات الخليفة , ماهي منجزات الخليفة , ماهي إعجازات الخليفة , وماهي مستحيلات الخليفة .
لم نعلّمهم ولم يعلموننا ماهو العلم ماهي نظريّة النشوء والإرتقاء ’ وماهي النسبيّة , وماهي الجاذبيّة ..
لم ندرس في فصول العلم المدينة الفاضلة , ولا الشيخ والبحر , ولا الشحاذ ...
لم نعاين رسماً لبيكاسو , لم نناقش نحتاً لليوناردو , لم نفترش أرض العلم بملاءة من حرير وأعشاب قشيبة ,
كل مااجتهدنا عليه كان التركيز على جمال وجه الخليفة , لحية الخليفة , عمامة الخليفة , عباءة الخليفة , حذاء الخليفة , ضحكة الخليفة , شعره , عيناه , أذناه , فتحتا أنفه , هل هي مدوّرة أم مستطيلة ...!!
ياسيدي نحن لم ندرس العلم لأجل العلم
بل درسناه لنعرف كيف نكتب أشعاراً في مدح الخليفة , وقصصاً في تزوير تاريخ البلاد والخليقة , ونرسم وجه الملك ومن ثم جواريه , وغلمانه .
ياسيدي نحن من حاربنا في حروب البسوس سنيناً طويلة
ونحن داحس والغبراء
ونحن نحن حروب الردّة .
نحن الذين صلبنا علماء الفيزياء والكيمياء والرياضيّات والحاسوب ..
ونحن الذين رفعنا أعلام المنافقين ورايات الدجالين وبيارق المخادعين
ياسيدي تاريخك مكتوب بفصول من دم وفصول من جريمة
نحن ياسيدي الذين بعنا أوطاننا وشربنا كؤوس الهزيمة على جثث الشهداء
نحن شعوب النكسة ونحن شعوب الردّة ونحن شعوب الزور والتزوير .
نحن شعوب الآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ آآآآآآآآآآه و التيه .
لم أتوقّف لحظة عن كتابة أسطري فربّما منحت قلبي بضعة من قبسات قصيدة كنت قرأت فبحت لها بما يعتصر القلب ويمحق الروح .
عزيزي هي كلمات شفَّّها الوجد وعافها القهر فلا ريب على مؤدّاها , ولا تثريب على مغزاها .
لم يبقى في مداد يراعي سوى الأمل .............
وسوى التحيّة العربيّة .
سلام الله عليك أيّها الشاعر المجرّب .
تثبت آملاً في مناقشة موضوعها .
التوقيع :
قارئ عربيّ مقهور
2- قراءة للدكتور/ محمد حسن السمان
قراءة في قصيدة " التاريخ " للشاعر
الكبير محمد ذيب سليمان
بقلم د. محمد حسن
السمان
بدأت الفكرة بعفوية مطلقة , وبحركة استجابة بسيطة جدا , شعرت برغبة كبيرة , في قراءة قصيدة " التاريخ " للشاعر الكبير محمد ذيب سليمان , والحقيقة عندما قررت الكتابة في القصيدة , لم أكن قد قرأت القصيدة بعمق , أو على الأقل يمكن القول , إنني لم اقرأ القصيدة , بالشكل اللائق بها , وعندما قلت إنني سوف أقرأ القصيدة علميا , فأنا لم أقصد وجود جملة مسلمات وقوانين , يمكن تطبيقها على القصيدة , فالعلم** ينشئ علاقات ين المعلومات المقبولة من الجميع , مثلا , إنسان ما يحسّ بالبرد , وإنسان ما آخر يحسّ بالحر , فإن كليهما , يمكن أن يتلاقيا علميا في معرفة الحر عندما يقرآن ميزان الحرارة , أما في الأدب فلا يمكن الربط , بين الظواهر المختلفة بهذه الطريقة التي توصلنا إلى موافقة مشتركة , وإلى الإقرار بصفات ثابتة , فليس هناك من ميزان حرارة أدبي , ولكنني أستحضر رأي دنغل** حيث يقول " ولو أنه لا يوجد للأدب علم , فمن الخير أن ندرس الأدب , مستغلين بعض مبادئ التفكير العلمي ومناهجه " , وهذا ما سوف أسعى إليه في قراءتي ودراستي لقصيدة " التاريخ " للشاعر محمد ذيب سليمان , وبالتالي قد يوافقني البعض فيما أصل إليه , وقد لا يوافقني البعض الآخر , وهذا أمر طبيعي , وعلى الرغم من وجود مدارس معروفة في النقد الأدبي , فإن تطبيق نظرية بعينها على القصيدة , يشبه عملية إسكان إنسان انتقائي رفيع المستوى , في بناء مسبق الصنع . وأنا أنظر للشعر كحالة إلهامية , يمكن النظر إليها من نوافذ وزوايا مختلفة , ولكن أيا منها لا يستطيع الإحاطة بالحالة الإبداعية .
كتب الشاعر محمد ذيب سليمان في مقدمة قصيدة " التاريخ " : أعلم أن هذه القصيدة سوف تثير حفيظة بعض الأخوة ممن يعتبرون أننا يجب أن نزهو بتاريخنا ولكنني - ورغم احترامي للتاريخ - أجد أننا نزهوا بتاريخ غابر ولا نعمل لرفعة حاضرنا ولهذا فإنني نقمت على من يتغنون بتاريخ أفل ولم يقدموا لحاضرهم فماذا سيقولون لو دفن التاريخ ؟؟ .
طبعا , أنا افهم جيدا الهاجس الذي دعا الشاعر لهذه العبارات المتهيّبة , التي تقدمت القصيدة , فمن الصعب جدا , أن تأتي على مشاعر أجيال , ربيت على الأسطورة التاريخية , من بطولات وقصص وحكايات , يصل بعضها حد الخرافة , ويعيشها الفرد والأمة في حالة شوفينية من التفاخر والزهو , حتى غدت بعض الرموز أو القصص التاريخية أوثانا , لها من القدسية والقداسة , ما جعل مجرد الكلام عنها بشكل غير قداسي , أمرا محرّما , بل ومن خلال تأثير التاريخ علينا , وتقديسنا لجزئية تاريخية وتفضيلها على أخرى , اختلفنا وبحدة على مدى القداسة , فتشرذمنا وراء رمز تاريخي أو آخر , بشكل يهدد وحدة الأمة , ونحن نقرّ دون شك بأن الإحساس بضرورة التوقف عن الركون للتاريخ , أو ما يمكن أن نطلق عليه , الوثنية التاريخية , والابتعاد عن التفاخر بالرموز والأوثان , دون وجود دوافع لمجاراة الحداثة والتقدم , على مختلف الأصعدة , أفكار تتهادى في المجتمع العربي , بشكل أو بآخر , إنها كالنار تحت الرماد , ولكن التعبير عن الرفض , أو حتى مجرد توجيه الانتقاد للوثنية التاريخية , يخزلهما عدم المقدرة على التعبير , أو تمكن الترسبات الفكرية والاجتماعية والثقافية , من الرأي العام المعلن , والخدر النفسي , ما أريد قوله ببساطة , إن الأفكار التي جاءت بها قصيدة " التاريخ " للشاعر محمد ذيب سليمان , هي أفكار موجودة , وهواجس قوية شائعة في ضمير الأمة , وإن كنا لا نستطيع إعطاء نسبة مئوية لأفراد الأمة , الذي يرونها أو يعتقدون بها , إذن هي ليست من ابتكار الشاعر , ولكن الشاعر تمثّل المشكلة , وقد أحدثت فيه تأثيرا قويا , بعيدا عن التبعية والتوظيف النفعي , فتقدم بعفوية ليترجم مشاعر الناس , إن الشعراء هم ضمير الأمة , وهم رواد فكرها , والمعبرون بصدق عن هواجسها , فهم يعكسون آلام الأمة ومشاكلها , وهم الذي يستشرفون الطرق المثلى لبناء ورفعة مستقبلها .
يرى الناقد وردز وورث* ( 1770- 1850 ) أن الشاعر إنسان يتحدث إلى أناس آخرين عن المشاعر التي أحدثتها فيه مواقف وأشياء عادية , دون أن يخضع لغير قواعد عبقريته الفردية " الشعر فيضان المشاعر القوية عفويا " ومصدره شعور نتذكره في لحظات الهدوء تدريجيا , كنوع من رد الفعل , وينتج عنه على مهل شعور يشبه ذلك الذي كنا نتأمله من قبل , وهو ما كان يوجد في العقل حتما .
وقد تجلت الحالة الإبداعية للشاعر محمد ذيب سليمان في قصيدته " التاريخ " إنه استطاع أن يحسّ المشكلة , ويترجم مشاعر الأمة , من خلال صرخة مدويّة مسموعة , ومساقات شاعرية , استخدمت المبضع بالشكل القوي الناجع , لقد أشعرنا بأنه يترجم مشاعرنا , او لعله قد قال , ما اردنا أن نقوله أكثر من مرة , ومنذ مدة طويلة , ولقد صاغ كل ذلك , بطريقة لا يقدر عليها غيره , ولا يوازيه في ذلك شاعر , ويؤكد هذا ما صاغه الشاعر الكبير عبد القادر دياب بقلم " قارئ عربي مقهور " , في معرض تعليقه على القصيدة , إذ أنه لم يستغرب ما جاءت به القصيدة , بل على العكس من ذلك , فقد رفع وتيرة الانتقاد لسطوة التاريخ , والانقياد المطلق لقدسية الرموز التاريخية , نعم لقد نكأ الشاعر محمد ذيب سليمان الجرح بقسوة , ألم نقل إن الشاعر يترجم مشاعرنا , ويقول ما اردنا قوله أكثر من مرة , ومنذ مدة طويلة .
عندما بدأ الشاعر محمد ذيب سليمان قصيدته " التاريخ " , بقوله :
أحضِــروا
التّـــاريخ مسحوبـاً كناقـــة
وافقـــأوا عينـيــهِ أو شُـــدّوا وثاقَــــهْ
وافقـــأوا عينـيــهِ أو شُـــدّوا وثاقَــــهْ
فهو وبشكل عفوي , لم يخلع عباءة عروبته وانتمائه , فقد استهل قصيدته باستخدام مفردات البيئة العربية , مما يؤكد أصالة انتمائه للأمة , وعمق ارتباطه بها , وعلى الرغم من الحدة التي بدأ بها القصيدة , فلم يكن عاقا للأمة وتاريخها , ولم يكن ناقما مهووسا , بل كان جراحا غاضبا .
فلقد رفض الشاعر الوثنية التاريخية , ولكنه لم يقلل من احترامه للتاريخ , والاحترام التي يمثل عراقة الانتماء , ويمثل أصالة الأمة , أمر يختلف تماما عن التقديس الوثني للتاريخ , الذي يفرض منظومة إعاقة وتكبيل للفكر والعقيدة , كما يعرقل حركة التغيير والتقدم , نحن لا ننكر أثر التاريخ في بناء القوة الداخلية للفرد والمجتمع , فقد رأينا ستالين إبان الحرب العالمية الثانية , وقد خاف من الهزيمة على يد الألمان الغزاة , يناشد الجنود بقوله , انتم يا أحفاد القياصرة , على الرغم من أن الثورة البلشفية هي التي قضت على العظمة القيصرية , لذلك رأينا الشاعر , وعلى الرغم من صرخته وحمله معول تحطيم الأوثان التاريخية , إلاّ انه ظل يحترم وبقوة هذا التاريخ , لذلك رأى أن يدفن التاريخ بشكل لائق , وأن تقام حفلات الزار , وان يعلى القبر , وأن يقام له المزار المناسب :
شـــيِّدوا قبــراً
عظيمـــاً ليـسَ يُنــسـى
منْ جميلِ الصخــرِ أو صُفّـوا رواقـــهْ
منْ جميلِ الصخــرِ أو صُفّـوا رواقـــهْ
واجعلوا الجـــدرانَ من مسـكٍ وطيـبٍ
وارســـموا بالتبـــرِ أمجـادِ العراقــــةْ
وازرعوا الأشــجار
َوالأحواضَ مـلأى
بصـــنوفِ الـــزهـرِ منظومــاً كباقــــةْ
بصـــنوفِ الـــزهـرِ منظومــاً كباقــــةْ
ثـــمَّ طوفــــوا
حوْلَــــهُ فـي كـلِّ وقـتٍ
واذبحـــوا كبشــاً إذا شــئتـمْ ونـاقــــةْ
واذبحـــوا كبشــاً إذا شــئتـمْ ونـاقــــةْ
واجعلـــوا يومـــاً لـــه فـي كـلِّ عـــامٍ
مثـــلَ يومِ العيـــدِ كي نبكـي فراقــــهْ
والحقيقة أن الصور الشعرية والشاعرية في قصيدة " التاريخ " هي صور جزئية , فقد رأينا صورة الناقة وقد سحبت , والغربان , وصورة تجمّع الأصحاب للقيام بعملية الدفن , ورأينا صورا لحيثيات الدفن , وإشادة القبر , رأينا صورة حفل الزار , والنواح على القبور وغيرها , وهي صور لا يمكن الشعور بالمتعة في متابعتها إلا من خلال جمع الصور معا , لتشكل لقطات متتابعة أو شريطا مصورا , لابد من متابعة كامل أجزائه , لتكتمل الرؤية , ولا ننكر وجود صور جزئية تستحق وقف الشريط مطولا للاستمتاع بها , ومن الناحية الفنية , أجزم القول بأنه لا يمكننا حذف بيت من القصيدة , أو التفرد بدراسة بيت دون غيره , وهذه سمة بالغة الأهمية , إنها قوة التماسك والترابط في القصيدة , أو بكلام أصح قوة وحدة القصيدة , ولنكون منصفين نقول : إنهم لقلة قليلة أولئك الشعراء الذين يستطيعون أن يقدموا عملا شعريا إبداعيا , له هذا المستوى من الترابط , فقد اعتاد الشعراء على وحدة البيت الواحد أو ترابط بيتين , لأن كمالية وحدة القصيدة , يحتاج إلى نفس شعري عال جدا , وإلى تمكن شاعري , وغزارة المخزون اللغوي , والقدرة العالية على الصياغة , وهو ما يلمح في قصيدة " التاريخ " , حيث رأينا الشاعر يغرف من بحر , ولا يتكلف عناء بناء الجملة , أو عناء توليف القافية , فالمفردات سهلة مطروقة في الاستخدام الأدبي للغة , وذات جرس عال , وقد نجح الشاعر في سبك هذه المفردات في متون سهلة ومنطقية جدا , كانت الخطوات المتتابعة التي شكلت القصيدة , فكانت الموسيقى الداخلية جميلة ناجحة , توافقت مع موسيقى إجمالية عالية الجرس أيضا , ولعلنا نرجّح أن ارتفاع مستوى الجرس , لئن كان في الموسيقى الداخلية أو الخارجية للقصيدة , ربما يعود إلى الحالة الشعورية التي كتبت خلالها القصيدة , حالة الغضب والرفض , لكن دون انفلات المشاعر والأفكار , وهكذا جاء الإيقاع متوازنا , وجاءت الموسيقى مسموعة ,جميلة محببة للنفس والأذن , تتميّز بالتجانس العالي , وما كان ليحدث مثل هذا الأمر , وبهذه الكيفية الراقية , لولا التمكن العالي الذي يتميّز به الشاعر , أو ربما كان الأصح أن نقول , قوة الفطرة الشعرية والشاعرية , والاتساع المعرفي , وملكة الإحساس والتفاعل .
قصيدة " التاريخ " للشاعر الأستاذ محمد ذيب سليمان , عمل إبداعي بتميّز , يحمل في طياته رسالة خيّرة , ويقدم إضافة للمشهد الشعري , عالية المستوى .
**Methods de Critica Literaria , Enrique
Anderson Imbert
*مناهج النقد الأدبي , د. الطاهر أحمد مكي
استاذ الأدب , كلية دار العلوم , جامعة القاهرة

